Wild Strawberries
الثورة والإنسان (تجريد الحدث) .. المقال كاملا

"تختبر الثورات إنسانية الشعوب بشكل مجرد. ومدى نجاحها يتوقف بشكل أو بآخر على مدى نجاح إعادة اكتشاف الشعب لإنسانيته."

كلمات حولها دندن الكثيرون، ولكن لم يصب لبها أو جوهرها سوى القليل. فتجريد الحدث حتمي لادراك جوهره والوصول للبعد الغائب.

أقول: حين خلق الله سبحانه المخلوقات، جَبَلَ كلٌ منها على فطرة هي المعيار الذي يُقاس عليه مدى حيد ذاك المخلوق عنها. وكلما احتفظ كل كائن أو مخلوق بصفاته وفطرته التي فطرهه الله عليها، كلما نال أوفر حظ وأكمل نصيب من صفات جنسه.

والإنسان –بشكل مجرد- أحد هذي المخلوقات بل أكرمها، وتكريمه جاء مجردًا من كل اعتبار: “ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم…” الآيات. فالانتماء المجرد لبني الإنسان تكريم في حد ذاته، أدركه من أدركه، وعمي عنه من عمي.

فالإنسان كائن حي عاقل ناطق حساس أبيّ عزيز كريم يأبى الظلم والذل والقهر والاستبداد بكافة صوره وأشكاله، وهذا الاستبداد قد يكون سياسيًا، اجتماعيًا، خُلُقيًّا، دينيًا… إلخ. ومن يمعن النظر في قصص من قبلنا ليجدن أن ما من أمة نهضت، وكست عورات ذلها بوشاح العز إلا بعد أن أعادت اكتشاف إنسايتها برفض كل ما هو متعارض مع إنسانيتهم بشكل عام.

فالاستبداد السياسي –مثلا- لا يكون إلا من حاكم ظالم فقد بذلك الظلم الجزء الأكبر من إنسانيته، وشعب ذليل منكسر تخلى عن صفة جوهرية وسمة أساسية وسمه بها الخالق وهي العزة والإباء. وزوال علة الاستبداد لا يكون إلا حينما يعيد اكتشاف الحاكم الظالم إنسانيته بأن يكون عادلًا يترفع عن المظالم، وكذا الشعب بأن يرفض ذاك الاستبداد باعتباره إنسان مجرد من كل اعتبار.

وإذا أردنا التفصيل الموجز في هذا الباب، فعلينا أن نقول أن الجرائم والرذائل بكافة أنواعها وصورها أضرب بذلك مثالا ( الاستعمار، الحروب، الظلم، القتل… إلخ) ما هي سوى فصول في مسرحية طويلة بطول الأمد تحمل “أزمة الإنسان” لها اسمًا، وتضاد “الإنسانية” لها وصفًا.

فتأتي الثورات كالصواعق المرسلة لتوقظ الإنسان الراقد بداخل الإنسان بعد موتته الصغرى، فإما يقظة كلية، أو يقظة جزئية، وإلا فقد انتقل ذاك الإنسان الراقد من موتته الصغرى إلى موتته الكبرى فيصاحب موته الأبد.

فالثورات لا تكون إلا من شعب وعى ما وعى من إنسانيته، فرفض بذلك الظلم الواقع عليه بموجب الاستبداد. فتراه يسعى أيما سعي لنصرة الضعيف والفقير، ينهض لمجابهة الظلم ومصارعة الاستبداد، يجزع لموت أخيه الإنسان. فيكفيه أن يعرف أن إنسانًا قد سُلبت منه حياته ليفور ويثور دافعًا عن مجتمعه هذا الغزو الغابي البهيمي. وهو بذلك يعيد اكتشاف إنسانيته، باذلا في سبيل ذلك ما ليس عليه بعزيز، لأن سعيه لاكتساب صفات جنسه الآدمي أعز عليه حتى من روحه ودمه. فالمجتمع الذي يوصف بالإنساني يختلف تمام الاختلاف عن باقي المجتمعات الحيوانية.

 …


"تختبر الثورات إنسانية الشعوب بشكل مجرد. ومدى نجاحها يتوقف بشكل أو بآخر على مدى نجاح إعادة اكتشاف الشعب لإنسانيته."

الثائر هو إنسان أعاد بثوريته اكتشفاف إنسانيته ودفع لأجل ذلك روحه. أما بقية المجتمع لما يعد اكتشاف إنسانيته بالقدر الكافي الذي يسمح له باستيعاب إنسانية الثائر وبذل روحه ثمنا بخسا لاستعاده حقه الأزلي في الحرية.

ومن هنا ينشأ الصراع. ولكن ذاك المجتمع حتما ومن مزاحمته لركب الثوار سيدرك إنسانيته يوما وإذا بحثنا عن الشاهد فأشباح ثورات بني الإنسان ضد الاستبداد لازالت تحوم في فضاء المجد تسجل عظمة تلكم الأمم في إيقاظ ذاك الإنسان الراقد بداخلهم فردا قبل مجتمعا.

أما إن سألنا عن السبيل.. سأقول: قد ذكر المفكر البرازيلي باولو فيرير أنه إذا بحثت أمة عن قبس نور يهديها إلى إنسانيتها فعليهم أن يقرأوا ويكتبوا فينالهم من نور العلم ما ينالهم فيتكون بذلك لديهم وعي يدركون به فطرتهم الأولى ونبع إنسانيتهم الأصفى.ولذلك كان المستبد عدوا ألد للعلم وأهله فلا يسعه إلا أن يبقي وحش الجهل والأمية يقظا مكشرا عن أنيابه فيفتك بالأمة أو يلبسها رداء الخوف والخضوع فيبقيها أسرى في سجن الاستبداد تسبح بحمد حاكمها، وله في ذلك سبل تمكنه وحاشية تعينه.

أعيدوا اكتشاف إنسانيتكم يرحمنا وير حمكم الله فثورتكم هي الامتحان الأعظم وفرصتكم الأسنح لإيقاظ عملاق الإنسان فلا يبقي ظلما بينكم ولا يذر.

________________________

ملحوظة: اهتديت في كتابة المقال بجزئيه إلى كلام مولانا عبد الرحمن الكواكبي، وكذلك بعض النقاشات مع أحد أساتذتي وهو الأستاذ علاء خالد، وكذلك بعض أصدقائي أخص منهم أخي ياسر شعبان.

________________________

عمرو الفقي

الأربعاء: 8/2/2012

  1. masryaaaaaaaaa reblogged this from eman-m
  2. eman-m reblogged this from amr-alfiqy
  3. me-ta-noia reblogged this from amr-alfiqy
  4. amr-alfiqy posted this